أحمد بن محمد القسطلاني
98
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وانشراح الصدر له بحيث يخالط لحمه ودمه . وهل هذا الذوق محسوس أو معنوي . وعلى الثاني فهو على سبيل المجاز والاستعارة الموضحة للمؤلف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه ، لأن في ذلك تلميحًا إلى قضية المريض والصحيح ، لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصحيح ، فكلما نقصت الصحة نقص ذوقه بقدر ذلك ، وتسمى هذه الاستعارة تخييلية ، وذلك أنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بالعسل ونحوه ثم أثبت له لازم ذلك وهي الحلاوة ، وأضافه إليه فالمرء لا يؤمن إلا ( أن يكون الله ) عز وجل ( ورسوله ) عليه الصلاة والسلام ( أحب إليه مما سواهما ) بإفراد الضمير في أحب لأنه أفعل تفضيل ، وهو إذا وصل بمن أفرد دائمًا وعبر بالتثنية في سواهما إشارة إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما ، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى . فمن يدعي حب الله مثلاً ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك ، ولا يعارض تثنية الضمير هنا بقصة الخطيب حيث قال : ومن يعصهما فقد غوى . فقال له عليه الصلاة والسلام بئس الخطيب أنت فأمره بالإفراد إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية ، إذ العطف في تقدير التكرير والأصل استقلال كل واحد من المعطوفين في الحكم . فهو في قوة قولنا : ومن عصى الله فقد غوى ومن عصى الرسول فقد غوى . ويؤيد ذلك قوله تعالى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم } [ النساء : 59 ] لم يعد أطيعوا في أُولي الأمر منكم كما أعاده في وأطيعوا الرسول ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وقيل : إنه من الخصائص فيمتنع من غيره عليه الصلاة والسلام لأن غيره إذا جمع أوهم التسوية بخلافه هو عليه الصلاة والسلام ، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك . وقال : مما ولم يقل ممن ليعم العاقل وغيره ، والمراد بهذا الحب كما قال البيضاوي العقلي وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي اختياره ، وإن كان على خلاف هواه . ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه طبعه ، ولكنه يميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله لما يعلم أن صلاحه فيه . ( و ) من محبة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ( أن يحب ) المتلبس بها ( المرء ) حال كونه ( لا يحبه إلاّ الله ) تعالى ( وأن يكره أن يعود ) أي العود ( في الكفر كما يكره أن يقذف ) بضم أوّله وفتح ثالثه أي مثل كرهه القذف ( في النار ) وهذا نتيجة دخول نور الإيمان في القلب بحيث يختلط باللحم والدم واستكشافه عن محاسن الإسلام وقبح الكفر وشينه . فإن قلت : لِمَ عدّى العود بفي ولم يعدّه بإلى كما هو المشهور ؟ أجاب الحافظ ابن حجر كالكرماني بأنه ضمن معنى الاستقرار كأنه قال : أن يعود مستقرًّا فيه ، وتعقبه العيني فقال فيه تعسف ، وإنما في هنا بمعنى إلى كقوله تعالى : { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] أي لتصيرن إلى ملتنا ، وفي هذا الحديث الإشارة إلى التحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرذائل ، فالأوّل من الأوّل والأخير من الثاني . وفي الثاني الحثّ على التحابب في الله ، ورواته كلهم بصريون أئمة أجلاء ، وأخرجه المؤلف أيضًا بعد ثلاثة أبواب وفي الأدب ومسلم والترمذي والنسائي وألفاظهم مختلفة . 10 - باب عَلاَمَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ 17 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ » . [ الحديث 17 - طرفه في : 3784 ] . ( باب ) بالتنوين ( علامة الإيمان ) التام ( حبّ الأنصار ) ، وسقط التنوين للأصيلي ، وحينئذ فقوله علامة جر بالإضافة قال ابن المنير : علامة الشيء لا يخفى أنها غير داخلة في حقيقته ، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصوده من أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ، وجوابه أن المستفاد منها كون مجرد التصديق بالقلب لا يكفي حتى تنصب عليه علامة من الأعمال الظاهرة التي هي مؤازرة الأنصار ومواددتهم . وبسندي المذكور أولاً إلى الإمام البخاري قال : ( حدّثنا أبو الوليد ) هشام بن عبد الملك الطيالسي نسبة لبيع الطيالسة البصري المتوفى سنة عشرين ومائتين ، ( قال حدّثنا شعبة ) بن الحجاج السابق ( قال أخبرني ) بالإفراد ( عبد الله بن عبد الله ) بفتح العين فيهما ( ابن جبر ) بفتح الجيم وإسكان الموحدة الأنصاري المدني ، ( قال سمعت أنسًا ) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر أنس بن مالك ( رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( آية